أبي منصور الماتريدي
81
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
فيهن ؛ فيصيبنا من ذلك عذاب عظيم ؛ كما قال : وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ [ النور : 14 ] . ولقائل أن يقول في قوله : هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ [ النور : 16 ] : من أي وجه صار بهتانا عظيما ، ونساء رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم لم يكن معصومات ، بل كان يتوهم منهن الصنع الذي رمين به ؟ ! فجوابه : أن أزواجه كن بالمحل الذي إذا ابتلين بزلة : سرّا ، أو جهرا أطلع الله تعالى ذلك نبيه « 1 » - عليه السلام - ألا ترى أن إحداهن لما أفشت سر رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم إلى أخرى أطلع الله - تعالى - نبيه على ذلك ، فإذا كان لا يستر عليهن هذا القدر من الزلة ، فكيف يستر عليهن فعل الزنى منهن ؟ ! ولو وجد من التي رميت فعل الزنى ، لكان يسبق الاطلاع من الله تعالى لرسوله - عليه السلام - قبل أن يجري به التحدث « 2 » على ألسن الخلق ، فإذا لم يسبق أوجب ذلك المعنى براءة ساحتها عما رميت به ، وصار الرامي لها به قائلا بالبهتان والزور . وفي هذه الآية دلالة جواز العمل بالاجتهاد لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم لا بإذن سبق من الله تعالى ؛ إذ لو كان الإذن سابقا ، لما عوتب عليه ؛ لما ذكرنا : أنه لم يعاتب لزلة ارتكبها حتى يكون فيه منع عن العمل بالاجتهاد ، وإنما عوتب لمكان ما حمل على نفسه من فضل المؤنة في العشرة . ثم الأصل : أن الإماء لاحظ لهن في القسم ، ولسن لهن من الأيام « 3 » ما يكون مثله للحرائر حتى كان يقسم لها فيؤدي فيه حقها ، وقد أذن له في إمساكها وألا يزوجها ؛ فلا يجوز ألا يؤمر بتزويجها ، ثم هو لا يسكن شهوتها ، ثم هو إنما يصل إلى قضاء وطرها وتسكين شهوتها في يوم ذلك اليوم لزوجة من زوجاته ، فجائز أن يكون الله تعالى أكرمه أن يسكن شهوتها ويأتيها من حيث لا يعلم « 4 » أزواجه بذلك ، ثم أطلع بعض نسائه على فعله ليعلمن أن المحنة عليهن بعد العلم وقبل العلم واحدة ، وأن عليهن أن يعظمن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، وألا يحملهن الغيرة على الاستقبال له بالمكروه والنظر إليه بالتنقص ؛ إذ لم يكن عليهن فيما يأتي تلك الأمة في أيامهن تقصير في حقهن ؛ إذ كان رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم أعطي من القوة في الجماع ما يطوف على جميع نسائه في ليلة واحدة .
--> ( 1 ) في ب : لنبيه . ( 2 ) في ب : التحادث . ( 3 ) في أ : الآثام . ( 4 ) في أ : يعلمها .